كمتذوق ومتابع بسيط للشأن الثقافي، سرني كثيراً هذا الصيف الحراك الرائع الذي رمى الأستاذ سعود المتحمي في مياهه الراكدة بمعلومة مفادها ان ألف في مرحباً الف ليس عدداً أي ١٠٠٠، وإنما هي إلف من الإلفاء، أي مر وجنب وتفضل، فأيقظتنا هذه المعلومة من سباتنا الصيفي، وعلى الأقل فالتقاش حولها هو أفضل من محتوى مشاهير الفلس الذي يلاحق تسطيح ذائقتنا عبر نوافذ المنصات.
شخصياً أنا مع تخريج المتحمي في المعلومة التي ذكرها، فلهذه المعلومة ما يسندها لغوياً، وحتى في لهجة منطقة عسير تهامة وسراة، مع وجود إحتمال أقل بأنها عدد، فَصَّلّ فيه د.محمد العمري بإمتياز، وبما لا يدع لمن بعده مجالاً للإجتهاد.
ولست مع من استشهد أو اتخذ من شيوع تراحيب عددية أُخرى ك(مرحبا مليون لخ) كدليل على أن الألف رقماً أو عدداً، فكل صيغ التراحيب الأخرى مع الإحترام للجميع، بنيت على أن (مرحباً ألف) التي ذاع صيتها، هي عدد أو رقم، حينما بدأ المقلدون تقليد عسير في عنونة فعالياتهم ومناشطهم عددياً، في سباق بدأ بالمئات ومر بألوف وانتهى بالملايين والحسابة بتحسب، ولا تثريب في ذلك، بل هو من المحمود في تلاقح الأفكار، وتوالد الإبداعات الخلاقة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفضل في بعث (مرحباً ألف) وترسيخها، وبث الحماس في مناطق أخرى لتقليد عسير في عنونة مناشطها بجمل وعبارات من التراث الأصيل بتلك المناطق الثرية هي الأخرى بالموروث، يعود الفضل فيه للأمير خالد الفيصل وفريق عمله المثقف في اللجنة السياحية الرئيسة بعسير بدعم وتفاعل مشهود من بيوتات عسير، ولا أظن أحداً سبق سموه في هذا المجال، فقد كان سباقاً و ملهماً في الإهتمام بلهجات المنطقة وإبرازها وتوظيفها ثقافيا، ومنها (مرحبا الف) وغيرها، فمنذ بواكير المواسم الصيفية بأوائل الثمانينيات الميلادية، اتخذ سموه من مرحبا ألف شعاراً، و تقشه في ناصية ترويسة مكاتبات ولوحات وإعلانات ودعايات اللجنة السياحية الرئيسة بعسير، وجعله الجدارية الأبرز في المسارح والمعارض، وعلى نواصي الشوارع الرئسة في أبها، وشجع محافظات المنطقة على إتخاذ شعارات مماثلة من موروثها الخاص في الفعاليات التي تنظمها، فأصبحت لدى المنطقة (حزمة) شعارات مشهورة وجذابة، ترسخت في أذهان الناس حتى من خارج المنطقة، فبمجرد سماعها تعرف أنها للمحافظة س أو صاد، وعلى رأسها وأشهرها موضوع الساعة: مرحباً١٠٠٠، أو مرحباً:إلف.
فمع تسليمي الأكيد أن لكل منطقة أو محافظة ببلادنا (لزمة) من تراثها العريق تميزها عما سواها، إلا أن تلك اللزمات إن صح التعبير، لم تنتشر إلا بعدما كَرَّسَ وأشهر سمو الامير خالد الفيصل مرحباً ألف كشعار عسيري جاذب وملهم لغيره، ساهم في إنتشار عنونة المناشط والفعاليات بلزمات من التراث، ليس في السعودية وحسب، وإنما حتى في دول الخليج العربي، فقبل مرحباً ألف الشعار، كنا نعمل تحت اللاعنوان أو تحت عنوان أجنبي، ينتهي ويسقط من الذاكرة مع نهاية آخر فعالية.
وبما أن هذا الموضوع شيق، ولايزال يحظى بالنقاش الجميل والثري، فبودي إذا أخمد (أشبع) المتعاركون مرحباً ألف بحثاً وإستقصاء وإثراء، أن نذهب معهم سوياً إلى العزيزة الباحة، وهناك نستأذنها في فتح ملف مرحباً هيل، ونستأنس برأي جهابذة مثقفيها هناك عن مفردة (هيل) في شعارهم الآسر العريق:مرحباً هيل، هل هي اسم بمعنى الهيل المشهور في القهوة السعودية الذائعة الصيت، أم هي فعل أمر بمعنى هَيّلْ، أي انزل وتفضل، أو جنب ومر وميل عندنا !؟
شخصيا، وكما ذهبت مع تخريج المتحمي في مرحباً ألف، أذهب أيضاً إلى ان مفردة (هيل) في مرحباً هيل ليست اسماً كما شاع وانتشر وترسخ بيننا، وإنما هي فعل أمر بمعنى انزل وتفضل وميل علينا أو عندنا، فالهَيَال بفتح الهاء والياء في لهجة الجنوب هو اسم المكان الشاهق المنهك لمن يصعده وينزله كما ينهك السفرُ المسافرَ، المضارع منه:يهيل والماضي:هَيّلَ، وفعل الأمر منه:هَيِّلْ أي انزل، استعير أو اشتق هنا كتعبير أو كرمزية لما يكابده المسافر من مشاقٍ مهولة، يحتاج معها للشهم الكريم الذي يبادره ب مرحباً.هَيِّلْ، أي انزل أو ميل عندنا أو تفضل، فنحن من يخفف عنك التعب ويطعمك ويسقيك ويؤيك، فلله درها من استعارة آسرة.
كما أن في المفردتين (إلفْ وهَيّلْ) كفعلي أمر لا اسمين، كَمَّاً هائلاً من بشاشة الترحاب، ومن سعة الصدر، وسط إيثار، وبذل للغالي والنفيس للضيف، وفي يسر أو عسر، مهما كانت الظروف، بعكس ألف العدد وهيل القهوة، فهاتان المفردتان في تعريفهما المعاصر أو الدارج توحيان بأنهما مرتبطتان بالترف ووقت الرخاء فقط.
وعوداً على بدء، أود التأكيد على أن ترجيحي لمعلومة الأستاذ سعود المتحمي، وإجتهادي المتواضع في تخريج واستنباط معناً آخر، كامنٌ جماله في مفردة (هيل) كفعل أمر بمعنى تفضل، لا يعني ذلك تبنيهما على حساب العدد ألف١٠٠٠، أو هيل الاسم، فالعبرة بما سارت به الركبان ولو كان خطأ، لا بالصحيح المجهول في أمهات الكتب، فالقاعدة تقول:خطأٌ شائعٌ خيرٌ من صواب مجهول.
للتواصل مع الكاتب 503744842 966+

