أحيانًا لا تأتي عطايا الحياة في صورة فرحٍ صريح، ولا تُغلف بالبهجة كما ننتظر، بل تأتينا على هيئة دروس قاسية، وتجارب تُنحت في الروح قبل أن تُفهم بالعقل تهدينا الحياة أشياء لم نتوقعها، أشياء لا تُعد ولا تُحصى، بعضها يمنحنا القوة، وبعضها يختبر قدرتنا على الصبر، وكلاهما يصنعان منا إنسانًا آخر.
يرى البعض حياتك من الخارج، فيظن أن كل شيء ميسّر، وأن الطرق ممهدة، وأن الابتسامة دليل راحة، دون أن يدركوا أن تلك الابتسامة قد تكون درعًا، وأن خلفها قلبًا خاض معارك طويلة وحده، وتعلم أن يصمد كي لا يسقط أمام الآخرين. لا يعرفون أن الإنسان لا يُقاس بما يظهره، بل بما يتحمله في الخفاء.
قد تكون إنسانًا صالحًا للحياة، لا لأن الحياة كانت عادلة معك، بل لأنك رفضت أن تكون قاسيًا رغم قسوتها، واخترت أن تبقى واقفًا حتى حين لم يكن هناك ما يستحق الوقوف. تعلمت كيف تُرمم نفسك بنفسك، وكيف تجمع شتاتك في الليالي التي لم يطرق بابك فيها أحد.
وفي لحظات الضعف، يغلبني الشوق إلى حضن أمي، ذلك الحضن الذي لا يطرح أسئلة، ولا يحتاج إلى تفسير، أمانٌ خالص، وطمأنينة لا تُشبه شيئًا آخر. أشتاق لذلك الشعور الذي يجعل العالم أبسط، والحياة أقل قسوة، وكأن كل ما ينقص الروح هو ذاك الاحتواء الأول.
أعود بذاكرتي إلى أحلامي القديمة، إلى تلك النسخة التي آمنت بي قبل أن يؤمن بي أحد، حين كان حلمي أن أبني مستقبلي بيدي، لا اتكاءً على أحد، ولا انتظارًا لرحمة الظروف. حلم بسيط في شكله، عظيم في معناه: أن أكون أنا، وأن أصل كما أريد، لا كما يُراد لي.
ولا يزال هذا الحلم يسكنني، يكبر معي، ويمنحني سببًا للاستمرار، فأرفع كفي إلى السماء وأقول: اللهم وفقني فيما أسعى إليه، وكن معي حين أضعف، ولا تتركني لنفسي، فأنا أحتاجك في كل خطوة، وفي كل اختيار.
نعم، أحب الحياة، رغم كل ما فيها، وأحب نفسي، رغم كل ما مررت به أحبها لأنني لو لم أفعل، سأكون ظالمة لها، وقد دفعت من عمرها ووجعها ما يكفي أحبها لأنها صبرت حين كان الهروب أسهل، وبقيت حين كان الانكسار أقرب.
وهكذا أتعلم كل يوم أن القوة ليست في قلة الألم، بل في القدرة على العيش رغمه، وأن النضج ليس في كثرة التجارب، بل في كيفية النجاة منها دون أن نفقد إنسانيتنا فالحياة لا تكافئ الأقوى جسدًا، بل الأصدق مع نفسه، والأقدر على النهوض مرة بعد مرة.
للتواصل مع الكاتبة – 201014594607+


