وسط تسارع الحياة وكثرة ما يدور حولنا من أحداث وآراء، لم يعد الصمت مجرد غياب للكلام، بل أصبح في أحيان كثيرة تعبيرًا عن وعيٍ واختيارٍ مقصود. فالتجربة علّمتنا أن الكلام ليس دائمًا دليل فهم، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة ضعفًا أو عجزًا.
في هذا الزمن، الصمت أصعب مما نتصور. لأننا محاطون بالأصوات من كل اتجاه، ومطالبون دائمًا بإبداء الرأي والمشاركة والتعليق، حتى في أمور لم نمنحها وقتًا كافيًا للفهم. ومع هذا التزاحم، تضيع المعاني، ويغيب التفكير الهادئ، ويحل مكانه اندفاع الكلام لمجرد الحضور أو إثبات الوجود.
الصمت هنا لا يكون انسحابًا من المسؤولية، بل قد يكون تحمّلًا لها. هو لحظة توقف قبل الحكم، ومسافة أمان قبل الانفعال، ومحاولة لاحترام المعنى قبل إخراجه في كلمات. كثير من الخلافات اليومية لم تبدأ بسبب سوء نية، بل بسبب عبارات قيلت في لحظة تسرّع، دون إدراك لأثرها، خاصة في المجالس التي تختلف فيها الآراء وتتباين فيها طرق الفهم.
اعتدنا أن نربط القوة برفع الصوت، وأن نرى كثرة الكلام دليل حضور وثقة، خصوصًا في المجالس والاستراحات. لكن الواقع يقول إن بعض المواقف الأكثر صدقًا تُعبَّر عنها بهدوء، وإن للصمت المدروس أثرًا أعمق من كلام يُقال دون حساب. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل نوع آخر من الصمت؛ صمت الخوف أو المجاملة أو التهرب من قول الحق، وهو صمت لا يقل ضررًا عن الكلام غير المسؤول.
الحكمة ليست في الصمت وحده، ولا في الكلام وحده، بل في معرفة التوقيت المناسب لكل منهما. أن يعرف الإنسان متى يتكلم، ومتى يختار الصمت، وأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها. فكما أن الكلمة مسؤولية، فإن الامتناع عنها في وقتها مسؤولية أيضًا.
ختاماً : ما بين الكلام والصمت تتشكل ملامح الوعي الحقيقي. ليس بما نقوله فقط، بل بما نؤجّل قوله، وبما نفكر في أثره قبل أن نُعلنه. فالحكمة لا تُقاس بكثرة الكلام، ولا بالصمت المطلق، بل بالقدرة على الاختيار الواعي بينهما. وفي عالم يزداد صخبًا كلما قلّ فيه الفهم، يبقى الإنسان مسؤولًا عن كلمته، وعن صمته، وعن تلك المسافة الهادئة التي تمنحه فرصة التفكير قبل أن يتكلم.
للتواصل مع الكاتب jttj110@gmailcom


