رؤية 2030 ضد الجمود المعرفي – أو التصلّب المعرفي أو العبودية المعرفية أو الانحيازات المعرفية كلها مسميات تحمل نفس التعريف وهي صعوبة تكييف الافكار والسلوكيات وأستراتيجيات حلّ المشكلات إستجابة للمواقف الجديدة أو المتغيّرة وتتميّز بجمود التفكير والاعتماد على الروتين ومقاومة التغيير وغالباً ما يرتبط بنقص الوظائف التنفيذية والمرونة المعرفية نفس الشيئ ينطبق على العبودية المعرفية التي هي أخطر أشكال التقييد لأن سجنها غير مرئي فهي ليست قيداً على الجسد بل على طريقة التفكير وهي التي تجعل المجتمع أسيراً للماضي خائفاً من التجديد متوجساً من كل فكرة لا تشبه ما ورثه.
وتعريف العبودية المعرفية هي هيمنة مصادر خارجية على وعي الفرد بحيث يصبح غير قادر على توليد رؤية مستقلة بل يستمد مواقفه وقناعاته من خطاب ديني أو من عادات وتقاليد مهيمنة وسلطة إجتماعية تضغط على طريقة التفكير وإعلام يصنع قوالب جاهزة للواقع وبتكرار مستمر حتى يصبح من البديهيات وباللغة المشحونة مثل إستخدام مصطلحات تقدّس رأياً وتشيطن آخر ليُمنع العقل من المقارنة المحايدة وبالتاريخ المنتقَى حيث يُكتب التاريخ من زاوية المنتصر فيُغيّب النقد ويعزز الانحياز المعرفي – من مظاهر الجمود المعرفي تبنّي المفاهيم الجاهزة دون تمحيص الخوف من طرح الأسئلة أو مخالفة السائد تحويل الأشخاص إلى مرجعيات لا تُناقش الاعتقاد بأن التفكير خطيئة أو تهديد الانسياق وراء شائعات أو مرويات ظنية إنها حقائق قطعية ومن آثار العبودية المعرفية شلل العقل النقدي فلا يبقى للعقل وظيفة سوى ما ورثه من أفكار تضييق الافق الحضاري إذ تُرفض التجارب الاخرى بحجة الخصوصية بينما السبب الحقيقي هو الخوف من التغيير صناعة جماعات متطابقة التفكير وهي البيئة التي ينمو فيها التعصّب والتخوين وإنعدام الحوار والنتيجة تأخر المجتمعات لأن الابداع يحتاج عقلاً حراً لا عقلاً ملقّناً.
وفي هذا السياق جاءت رؤية 2030 لعرابها سمو سيدي ولي العهد الامير محمد بن سلمان كمشروع إقتصادي ومشروع لتحرير الوعي الجمعي من نماذج التفكير القديمة التي عطّلت الابداع والتقدم لعقود إن من أكبر مظاهر العبودية المعرفية هو الاعتقاد أن كل ما هو قديم هو الصحيح والرؤية جاءت لتقول للمجتمع أن القيمة ليست في قدم الفكرة بل في نفعها فجعلت العقل يراجع المسلمات بدل أن يقدّسها لمجرد إنها موروثة نقل المجتمع من عقلية التلقي إلى عقلية المبادرة فالعبودية المعرفية تصنع إنساناً ينتظر التعليمات أمّا الرؤية فتبني إنساناً يبحث يبدع يبتكر ينتج يجرّب ينافس وتحوّل المواطن من متلق إلى صانع – مواجهة العقلية الانغلاقية بخطاب عالمي فالانغلاق وسيلة من وسائل السيطرة على الوعي أمّا الرؤية فتحت الأبواب على العالم والاستثمار والتقنية والثقافة والترفيه والسياحة والفن كل هذه المجالات توسّع الوعي وتكسر “السجن المعرفي ” الذي عاشه الناس سابقاً – مواجهة التشدد الديني إن رؤية 2030 لم تواجه الدين بل واجهت القراءة المتشددة للدين عبر تعزيز الدين الوسطي الذي يحترم الانسان والعقل والمصلحة العامة والتسامح والتعايش وتوسيع المساحة الإنسانية حتى يصبح الدين معيناً للتقدم لا عائقاً له وإعادة ربط الدين بالمقاصد الكبرى لا بالشكل فالعبودية المعرفية تبقى حين تختزل الحياة في حلال وحرام ويجوز ولا يجوز وسمعنا وأطعنا أمّا الرؤية فتعيد الاعتبار للأخلاق والمصالح والعمل وحفظ الانسان وهي جوهر الدين الحقيقي.
تحرير المرأة تحرير نصف العقل فالمجتمع الذي يستبعد المرأة هو مجتمع يعطّل نصف عقله والرؤية حررت قدرات المرأة وصوتها حضورها مشاركتها في بناء الوطن وهذا التحرير ليس إجتماعياً فقط بل معرفي لأنه يوسّع التجربة الإنسانية التى بنى عليها الوعي – الاقتصاد كتحرير معرفي فحين يبقى مصدر الدخل واحداً يبقى التفكير واحداً أيضاً فالتنوع الاقتصادي يخلق تنوعاً في الافكار يفتح أبواباً جديدة يغيّر طريقة رؤية الناس للمستقبل فالفكر المتجدد يحتاج اقتصادا متجدداً إن الرؤية الشاملة 2030 تحرر العقل من الجمود وتزعزع نماذج التفكير القديمة وتكسر إحتكار التفسير وتمنح الفرد حرية الاختيار وتسقط أصنام الافكار التي عاشوا عليها ولهذا يقاومها البعض لأن تحرير الوعي يهدد مكانتهم الفكرية والاجتماعية – الخلاصة إن رؤية 2030 المجيدة ليست خطة إقتصادية فقط إنما هي مشروع تحرر معرفي من التشدد والخوف والانغلاق وراثة الافكار بلا نقد تقديس للماضي والانعزال عن العالم والانطلاق نحو وعي جديد دين وسطي مجتمع متسامح دولة حديثة عقل منفتح مستقبل يليق بالوطن الغالي المملكة العربية السعودية.
للتواصل مع الكاتب 0554231499


