كذّابون وتجار مواقف!
-إنّ من المؤسف أن تتحوّل حفلات التكريم والدعوات الرسمية، التي يُفترض أن تكون عنوانًا للرقيّ والوفاء والاعتراف بالجميل، إلى أدوات لتصفية الحسابات الشخصية، وتصفية الخلافات، وإشباع الأهواء، في مشهد يكشف عن ضيق الأفق وسقوط القيم وغياب أبسط قواعد الأخلاق والإنصاف.
-عندما تتولى رئاسة جمعية رسمية، وتُنظّم حفلًا أو ندوة أو مناسبة لتكريم أصحاب العطاء والجهود، فإنّ أول ما يُفترض بك أن تتحلّى به هو النزاهة والعدل والموضوعية. فالدعوات ليست ملكًا شخصيًا لك، والجمعية ليست مزرعة خاصة تُدار وفق أمزجتك، ولا يجوز أن تتحوّل المناسبات الرسمية إلى وسيلة لمكافأة الأصدقاء والأقارب، أو لمعاقبة من تختلف معهم شخصيًا، مهما بلغت مكانتهم واستحقاقهم.
-والأشدّ استهجانًا أن تُقام حفلات لتكريم من خدموا الوطن أو المجتمع أو المؤسسات الحكومية والخاصة، ثم تُختزل معايير الاختيار في عبارات من قبيل: هذا صديقي، وهذا قريبي، وهذا ابن عمي! وكأنّ الإنجاز لا قيمة له ما لم يكن صاحبه من دائرة المقرّبين، وكأنّ العطاء يُقاس بصلة القرابة لا بما قدّمه الإنسان من خدمة وجهد وإخلاص.
يا هؤلاء، أين الحياء؟ وأين النزاهة؟ وأين احترام المسؤولية؟
-إن كان بينك وبين أحدهم خلاف، فذلك شأنك الشخصي، لا شأن المؤسسة التي تتولى إدارتها، ولا شأن مناسبة يُفترض أن تُقام لتكريم المستحقين. ضع معايير واضحة، واحتكم إلى الكفاءة والعطاء والاستحقاق، واترك خلافاتك وأهواءك خارج أبواب المؤسسات الرسمية. أمّا أن تجعل من موقعك وسيلة للإقصاء والتهميش، فذلك ليس إدارةً مسؤولة، بل إساءة إلى الأمانة التي اؤتمنت عليها.
-ولنسمِّ الأمور بأسمائها دون مواربة أو مجاملة: بعض هذه الحفلات لا يُراد بها تكريم أصحاب الإنجاز بقدر ما يُراد بها صناعة صورة إعلامية لمنظّمها ورئيسها. فيتحوّل المكرَّم إلى واجهة، ويصبح صاحب الحفل هو البطل الحقيقي في المشهد، يستعرض نفسه أمام الكاميرات، ويتقمّص دور الرجل المعطاء والمضحّي، بينما الغاية الحقيقية هي حصد الأضواء وانتزاع التصفيق وشراء الحضور الإعلامي.
-وبمبلغ لا يتجاوز خمسة آلاف أو عشرة آلاف، تُغطّى متطلبات الحفل، ويُضمن لصاحبه ظهور إعلامي يمتد لأيام، وربما لأسبوع كامل، وكأنّ المال لم يُنفق تكريمًا للمستحقين، بل استثمارًا في الشهرة وتلميع الصورة واستعادة حضور غاب طويلًا.
-إنّ التكريم الحقيقي لا تصنعه الكاميرات، ولا تمنحه المنصّات، ولا تثبته الصور المنشورة في وسائل الإعلام؛ بل تصنعه العدالة، وتمنحه النزاهة، ويخلّده الوفاء.
-فمن أراد تكريم أصحاب العطاء، فليكن عادلًا معهم. ومن أراد الشهرة لنفسه، فليتوقّف عن الاختباء خلف أسماء المكرَّمين، وليعترف بأنّ الحفل لم يكن إلا وسيلة لتلميع صورته الشخصية.
فالفرق كبير بين من يُكرّم الناس وفاءً لعطائهم، ومن يتّخذ من تكريمهم سلّمًا للصعود على أكتافهم!
للتواصل مع الكاتب 0505300081


